محمد بن الطيب الباقلاني

58

إعجاز القرآن

ولو جاز أن يقولوا : هو سجع معجز ، لجاز لهم أن يقولوا : شعر معجز . وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب ، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر ، لان الكهانة تنافى النبوات ، وليس كذلك الشعر . وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين : كيف ندى من لا شرب ولا أكل ( 1 ) ، ولا صاح فاستهل ، أليس دمه قد يطل ؟ فقال : " أسجاعة كسجاعة الجاهلية ؟ " / وفى بعضها : " أسجعا كسجع الكهان " فرأى ( 2 ) ذلك مذموما لم يصح أن يكون في دلالته . والذي يقدرونه ( 3 ) أنه سجع فهو وهم ، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعا ، لان ما يكون به الكلام سجعا يختص ببعض الوجوه دون بعض ، لان السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدى السجع . وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن ، لان اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى . وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدى المعنى المقصود فيه ، وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ . ومتى ارتبط المعنى بالسجع ، كانت إفادة السجع كإفادة غيره ، ومتى انتظم ( 4 ) المعنى بنفسه دون السجع ، كان مستجلبا لتحسين ( 5 ) الكلام دون تصحيح المعنى . فإن قيل : فقد يتفق في القرآن ما يكون من القبيلين جميعا ، فيجب أن تسموا أحدهما سجعا . قيل : الكلام في تفصيل هذا خارج عن غرض كتابنا ، وإلا كنا نأتى على فصل فصل من أول القرآن إلى آخره ، ونبين في الموضع الذي يدعون الاستغناء عن السجع من الفوائد ما لا يخفى ، ولكنه / خارج عن غرض كتابنا . وهذا القدر يحقق الفرق بين الموضعين . ثم إن سلم لهم مسلم موضعا أو مواضع معدودة ، وزعم أن وقوع ذلك موقع ( 6 ) الاستراحة في الخطاب إلى الفواصل لتحسين الكلام بها ، وهي الطريقة

--> ( 1 ) في الأصول : " من لا أكل ولا شرب " راجع البيان والتبيين 1 / 287 - 288 . ( 2 ) م : " فرأى أن ذلك " ( 3 ) م : " تقررونه " ( 4 ) س : " ومتى ارتبط " ( 5 ) س : " مستجلبا لتجنيس " ( 6 ) م : " وقوع "